! السلمية.. حقيقة ميزان القوى

كان يوما ربيعيا جميلا، وهو أول أيام العطلة في موسم دراسي مضطرب بسبب كورونا، رغم هذا اختار كثير من الجزائريين في مختلف مناطق البلاد أن يواصلوا السير من أجل الحرية في الشوارع والميادين، منهم من قاوم القمع حتى ينتزع حقه الدستوري بالتظاهر، ومنهم من استفاد من تخفيف الطوق الأمني الذي قررته السلطة محاولة منها لتجميل صورة تضررت كثيرا في الداخل والخارج، لكن كل هذا يبقى مجرد تفاصيل تماما مثل تلك القرارات التي أعلنت عنها السلطة من قبيل تنظيم انتخابات تشريعية في الثاني عشر من جوان المقبل متجاوزة الآجال الدستورية التي يحددها لها الدستور بإجراء الانتخابات في أجل أقصاه ثلاثة أشهر من تاريخ حل البرلمان ( مرسوم الحل حدد تاريخ الفاتح مارس لدخول القرار حيز التنفيذ).

لم يلتفت الشارع إلى خيار الانتخابات، وقرر أن يتعامل معها تماما مثلما فعل مع انتخابات 12 ديسمبر 2019 واستفتاء الدستور، فالأمر يعني في المقام الأول أولئك الذين يعتبرون السياسة وسيلة للترقية الاجتماعية وهو مفهوم جاءت السلمية لتجاوزه وتكريس السياسة الحقيقة بديلا عنه، السياسة باعتبارها أداة لاقتراح الحلول والبدائل على صاحب الشأن الأول الشعب.لم تفلح الحرب النفسية التي انخرطت فيها أحزاب المحاصصة الانتخابية، ولا هجمات التسفيه التي تقودها السلطة مدعومة بترسانتها الإعلامية، في إلهاء الجزائريين عن الهدف الأساسي وهو إنقاذ الجزائر من نظام حكم لا يملك إلا تكرار نفس الأخطاء مهما تقدم الزمن وتغير المجتمع، فبعد نحو ثلاثة عقود من الضياع ما زالت الآلة الصدئة تستجيب بنفس الطريقة لأزمات تتعمق.. تغيير نصوص لا تحترم، وإخفاء وجوه واستدعاء أخرى، وتنظيم انتخابات بلا مصداقية تزيد الهوة الفاصلة بين السلطة والمجتمع اتساعا.

ليس لدى السلطة آلية للتفكير تسمح لها بقراءة ما يجري في المجتمع ووضع خطط تناسب القضايا المستجدة، كل ما تستطيع فعله هو تنظيم مزيد من الانتخابات وتوقع أن يمل الناس من التظاهر وأن يستسلموا للأمر الواقع رغم أن السنتين الماضيتين أثبتتا أن هذا الرهان خاسر، أما توقعات العارفين بحقيقة الوضع الاقتصادي فتعد بمزيد من المتاعب والغضب في المستقبل، تماما مثلما ترتفع اليوم أصوات الغضب من أولئك الذين خاب أملهم في وعد السلطة التي اختارت العلاج الخطأ المسمى الانتخابات أو المسار الدستوري.

بعيدا عن الشارع يتحدث “المنظرون” و “المحللون” عن استحالة التغيير دون بناء توازن قوى، ويتجاهلون حقيقة أنه في وضع طبيعي، حيث السيادة للشعب، لا يجوز الحديث عن توازن قوى بين السلطة والمجتمع.. نعم هم لا يؤمنون بوجود مجتمع في مقابل السلطة، ويغرقون النقاش في حديث الأقلية والأغلبية وأعداد المتظاهرين، لكنه لن يكون بوسعهم أبدا إنكار حقيقة أن هذه السلطة مقطوعة عن الواقع، والأدلة في السياسات كما في الخطاب، وهي أيضا في هذه الوجوه المستهلكة التي تتوافد على قصر الرئاسة لتكرار دور سبق أن لعبته في المسرحيات السابقة،

وأول من يعرف أن هؤلاء لا يمثلون إلا أنفسهم هو من استدعاهم، لكنه لا يملك أي خيار آخر غير تكرار تلك الأخطاء.ميزان القوى راجح لصالح شارع مصر على تغيير نظام الحكم بشكل كامل، في مقابل سلطة تعاني أزمة شرعية وتفتقد إلى مركز منسجم لصناعة واتخاذ القرار، وليس لها من السند الشعبي ما يمكنها من اتخاذ القرارات الصعبة التي يتطلبها تسيير المرحلة، فحالة الهوان التي وصل إليها نظام الحكم هي الجديرة بالمتابعة والتحليل والجزائريون جميعا، بمن فيهم أولئك الذين لا يرون جدوى من الخروج للتظاهر، شهود على عجز كامل للحكومة التي لا تملك أي حلول لمشاكل الناس، ولا تستطيع حتى تقديم خطاب لائق ومحترم لتبرير هذا العج

ز.يكفي أن تستمر السلمية ليسمع من يفترض فيهم “الرشد” داخل السلطة هذا الإنذار الذي ينبه إلى المخاطر التي تمثلها ميكانيكية سلطة لا تهتدي بأي قوة تفكير أو اقتراح، فالمظاهرات المستمرة للعالم الثالث بكل ثبات على هدف واضح هي علامة صحية على يقظة الجزائريين وحرصهم على إنقاذ وطنهم من نظام حكم يراهن على أسوأ ما في البلاد ومن فيها ليستمر لمزيد من الوقت. ميزان القوى اليوم طرفاه سلمية تراهن على أفضل ما في الجزائر ومن فيها ونظام حكم رديء ومنتهي الصلاحية يستنزف وجوها تخصصت في تزيين سوء أفعال أهل السلطة.

بقلم الكاتب الصحفي نجيب بلحيمر

https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=10221897897148727&id=1597762292

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *